الشهيد الثاني

119

حقائق الإيمان

وإنما حكم الشارع بإسلامه ظاهرا في صورة عدم علمنا بموافقة قلبه للسانه بالنسبة إلينا ، تسهيلا ودفعا للحرج عنا ، حيث لا يعلم السرائر إلا هو . وأما عنده تعالى ، فالمسلم من طابق قلبه لسانه ، كما قال تعالى " إن الدين عند الله الإسلام " ( 1 ) مع أن الدين لا يكون إلا مع الاخلاص ، لقوله تعالى " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " إلى قوله تعالى " وذلك دين القيامة " ( 2 ) . فالاسلام لا يكون إلا مع الاخلاص أيضا ، بقرينة أنه ذكر الإسلام معرفا ، وذلك يفيد حصر الإسلام في الدين المخلص . فكان المعنى - والله أعلم - لا إسلام إلا ما هو دين عند الله تعالى ، كما يقال : زيد العالم . أي : لا غيره . والفرق ظاهر بين أن يقال : الدين المخلص إسلام ( 3 ) أو هو الإسلام كما قررناه ، فعلم أن الإسلام باللسان ( 4 ) ليس داخلا في حقيقة الإسلام عند الله تعالى . والكلام إنما هو فيما يعد إسلاما وإيمانا عند الشارع لا عندنا ، بحيث لا يجتمع مع ضده الذي هو الكفر في موضع واحد في زمان واحد ، والاقرار باللسان دون القلب يجامع الكفر ، فلا يكون إسلاما حقيقة ، ولعل هذا هو السر في إحالة الإخبار بالاسلام على قول الأعراب دون قوله تعالى ، كما أشرنا إليه سابقا . إن قلت : إذا لم يكن إسلام الأعراب إسلاما عند الله تعالى كان مغريا لهم بالكذب ، حيث أمرهم أن يخبروا عن أنفسهم بالاسلام ، فقال : " قولوا أسلمنا " وهو محال عليه تعالى .

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 19 . ( 2 ) سورة البينة : 5 . ( 3 ) في ( ط ) : أسلم . ( 4 ) في ( ن ) : اللساني .